الثلاثاء، 5 مايو 2015

الاختبارات الجينية للتنبؤ بخطر الإصابة بالسرطان




على الرغم من أنَّ الإصابةَ بالسرطان لا تكون وراثية المنشأ عادةً، إلاَّ أنَّ هناك أنواعاً خاصةً من سرطانات الثدي والمبيض والبروستات قد تتأثَّر إلى حدٍّ بعيدٍ بالعوامل الجينية التي تسود في بعض العوائل.
يحمل جميعُ البشر جيناتٍ خاصَّةً تعمل بشكل طبيعي على وقاية الإنسان من الإصابة بالسرطان، حيث إنَّها تقوم بشكلٍ طبيعي بتصحيح أيِّ خلل قد يحدث في بنية الحمض النووي الوراثي (الدي إن إيه DNA) في أثناء الانقسامات الخلوية.
يؤدِّي توارثُ أشكال متحوّرة أو متغيّرة من هذه الجينات إلى زيادة معتبرة في معدَّل الإصابة بالسرطان، وذلك لأنَّ الجينات المتحوّرة لا تكون قادرةً على إصلاح الخلايا المتضرِّرة، ممَّا يزيد من أعدادها ويؤدِّي إلى تشكُّل ورم.
نذكر من الأمثلة على الجينات التي تزيد من معدَّل الإصابة بالسرطان كلاً من الجين المتحوّر BRCA1 والجين  المتحوّر BRCA2. إنَّ امتلاكَ أحد هذين الجينين يزيد من خطر إصابة النساء بسرطان الثدي وسرطان المبيض، كما يزيد من خطر إصابة الرجل بسرطان الثدي وسرطان البروستات.
وللعلم، فإنَّ جينات BRCA ليست هي الجينات الوحيدة التي تزيد من خطر الإصابة بالسرطان، حيث استطاع الباحثون مؤخَّراً تحديدَ أكثر من 70 جيناً متحوّراً جديداً تترافق مع زيادة في خطر الإصابة بسرطانات الثدي والبروستات والمبيض. ولكن، لا تزيد هذه الجينات بمفردها من خطر الإصابة بالسرطان إلاَّ بنسبة ضئيلة، إلاَّ أنَّ ترافقَها مع عوامل أخرى يزيد ذلك الخطر بشكلٍ عام.
في حال كان الزوجان (كلاهما) يمتلكان جيناتٍ تزيد من خطر الإصابة بالسرطان، كالنوع المتحوِّر من جين BRCA، فمن الممكن أن تنتقلَ هذه الجيناتُ بالوراثة إلى أطفالهما.


ما الذي ينبغي على الشخص القيام به إذا علم بأنه معرّض للإصابة بالسرطان
إذا كانت الإصابةُ بالسرطان منتشرةً في العائلة، وشعر أحدُ أفرادها بالقلق حيال خطر إصابته هو أيضاً به، فيمكن له إجراء اختبار جيني للكشف عن وجود أحد الجينات المؤهِّبة للإصابة بالسرطان لديه.
يُعرَف هذا الاختبارُ باسم الاختبار الجيني التنبُّؤي. وقد استُخدمت كلمة "تنبُّؤي" في تسميته، لأنَّ نتيجته الإيجابية لا تعني أنَّ الشخصَ مصابٌ بالسرطان، أو أنه سيُصاب به حتماً، وإنَّما تشير إلى زيادة في خطر إصابته بالسرطان.


إيجابيات وسلبيات الاختبار الجيني التنبؤي
يعتمد إجراءُ هذه الاختبار على رغبة الشخص بذلك، ولابدَّ له قبل إجرائه من استشارة الطبيب حول الفائدة منه، وكيفية تفسير نتائجه.
محاسن إجراء الاختبار
تنبيه الشخص إلى ضرورة اتخاذ بعض الخطوات لتجنُّب الإصابة بالسرطان، وذلك في حال كانت نتيجةُ الاختبار إيجابية. ويكون ذلك عن طريق اتِّباع أنماط حياة صحية، وإجراء فحوص منتظمة للتحرِّي عن الإصابة بالسرطان، وتناول أدوية وقائية، أو إجراء جراحة وقائية.
كما أنَّ الحصولَ على النتيجة قد يساعد على تخفيض قلق الشخص وتوتُّره الناجمين عن عدم معرفته بوضعه.
مساوئ إجراء الاختبار
إنَّ نتائجَ بعض الاختبارات الجينية غير حاسمة، فقد يستطيع الطبيبُ تمييز تغيُّراً جينياً لدى الشخص، دون أن يعلمَ ما الذي يمكن أن يؤدِّي إليه.
وقد يُسبِّب حصولُ الشخص على نتيجة إيجابية قلقاً دائماً لديه، فبعضُ الأشخاص يُفضِّلون عدمَ معرفة احتمال إصابتهم بالسرطان، وإنما معرفة الإصابة به عندَ حدوثها.


ماذا يتضمن الاختبار
هناك خطوتان لإجراء الاختبارات الجينية:
يقوم قريبٌ للشخص مُصاب بالسرطان بإجراء اختبار تشخيصي للدم، لمعرفة ما إذا كان لديه جين مؤهِّب للإصابة بالسرطان. وغالباً ما تظهر نتيجةُ هذا الاختبار في غضون ستَّة إلى ثمانية أسابيع.
في حال كانت نتيجةُ اختبار المريض القريب إيجابية، فيمكن للشخص إجراء الاختبار الجيني التنبُّؤي، وذلك لمعرفة ما إذا كان يمتلك نفس الجين. وتَظهَر نتيجةُ هذا الاختبار في غضون عشرة أيَّام من يوم سحب العينة.
من المهمِّ فحصُ جينات الشخص المصاب أوَّلاً، حيث إنَّ نتائجَ اختباره تشكِّل مرجعاً تُقارَن به نتائجُ اختبار الشخص غير المصاب؛ فهو تماماً كالبحث عن خطأ إملائي في كتابٍ ما، مع المعرفة المسبقة بموضع ورود الخطأ، بالصفحة والفقرة والسطر.


ماذا تعني النتيجة الإيجابية
في حال كانت نتيجةُ الاختبار الجيني التنبُّؤي إيجابية، فهذا يعني أنَّ الشخصَ لديه جين متحوّر يزيد من احتمال إصابته بالسرطان، وذلك بالمقارنة مع الأشخاص الذين لا يمتلكونه.
ولكنَّ ذلك لا يعني أنَّ الشخصَ سيُصاب حتماً بالسرطان، حيث إنَّ الجينات لا تؤثِّر إلاَّ بشكلٍ جزئي في المستقبل الصحِّي للفرد؛ وتمارس العواملُ الأخرى، مثل التاريخ الطبِّي للشخص ونمط حياته والبيئة التي يعيش فيها، أدواراً مهمَّةً في ذلك أيضاً.
إذا أظهرت الاختباراتُ وجودَ جين متحوِّر أو طافر من نوع BRCA لدى الشخص، فهذا يعني أنَّ هناك احتمالاً بنسبة خمسين في المائة كي يورّث نفس الجين لأحد أطفاله، واحتمال خمسين في المائة أن يكون الجين موجوداً أصلاً لدى أحد أشقائه.
قد يرغب الشخصُ بمناقشة نتائج الاختبار مع الطبيب وباقي أفراد أسرته، والذين يحتمل أن يكونَ لديهم نفس الجين. سيشرح الطبيبُ للشخص كيف ستؤثِّر النتائجُ الإيجابية أو السلبية للاختبار في حياته وعلاقاته مع أفراد أسرته.
لا يُسمح للطبيب بالكشف عن إجراء أي شخص للاختبار الجيني التنبؤي، أو أن يكشفَ عن نتائج ذلك الاختبار، ما لم يحصل على إذن صاحب العلاقة.


كيفية التعامل مع خطر الإصابة بالسرطان
إذا كانت نتيجةُ الاختبار إيجابية، فلدى الشخص عدَّة خيارات للتعامل مع الزيادة في خطر إصابته بالسرطان؛ وليست الجراحةُ هي الخيار الوحيد.
ينبغي على الشخص أن يدركَ بأنه لا توجد طريقةٌ صحيحة وأخرى خاطئة للتعامل مع هذا الخطر، ووحده هو من يقرِّر أي السبل منها سوف يسلك.
الفحص الدوري للثديين
إذا أظهرت الاختباراتُ وجودَ الجين BRCA من النمط الأوَّل أو الثاني لدى الشخص (ذكراً كان أم أنثى)، فمن الأفضل أن يحرصَ على مراقبة أيّة تغيرات في الثديين، وذلك عن طريق تحسُّسهما بشكل دوري، وتحري أية كتل غريبة، وملاحظة أي تبدُّل في شكلهما.
فحوصات التحري عن سرطان الثدي
فيما يتعلَّق بسرطان الثدي لدى الإناث، يمكن للمرأة أن تجري اختباراً سنوياً للتحرِّي عن الإصابة به، سواءٌ بطريقة الماموغرام أم الرنين المغناطيسي، وذلك لمراقبة أي تبدُّل غير طبيعي، والكشف عن السرطان باكراً في حال الإصابة به.
إنَّ الكشفَ المبكِّر عن سرطان الثدي يُسهّل علاجه، ويزيد من احتمال شفاء المريضة (أو المريض) بشكل كامل منه، وذلك بالمقارنة مع الأنواع الأخرى من السرطانات.
أمَّا بالنسبة لسرطان المبيض وسرطان البروستات، فلا تتوفَّر للأسف حتى الآن طريقةٌ موثوقة تماماً للتحرِّي عنهما بشكل مبكِّر.
إدخال تغييرات على نمط الحياة
يمكن للتغييرات الإيجابية في نمط الحياة أن تقلِّلَ من خطر الإصابة بالسرطان. ويتضمّن ذلك الممارسةَ المنتظمة للتمارين الرياضية واتباع نظام غذائي صحِّي.
إذا جرى اكتشافُ وجود جين متحوّر أو طافر من نوع BRCA عند المرأة، فإنَّ ذلك يعني زيادةً في خطر إصابتها بسرطان الثدي. ولذا فمن الضروري أن تقومَ بما يلي:
الامتناع عن تناول حبوب منع الحمل بعد عمر 35 سنة.
عدم استعمال معالجة هرمونية مُعيضة (عند الدخول في سن اليأس).
تجنُّب المشروبات الكحولية.
تجنُّب الزيادة في الوزن.
الامتناع عن التدخين.
كما تنصح الجمعيةُ الوطنية البريطانية للصحَّة والتميُّز في الرعاية الصحِّية (NICE) بأن تقومَ المرأة التي لديها تاريخ عائلي للإصابة بسرطان الثدي بالإرضاع الطبيعي كلما تيسّر لها ذلك.
الأدوية (العلاج الكيميائي الوقائي)
أوصت الجمعيةُ الوطنية البريطانية للصحة والتميُّز في الرعاية الصحِّية مؤخَّراً مجموعاتٍ معيَّنة من النساء المؤهَّبات بشدة للإصابة بسرطان الثدي بتناول دواء تاموكسيفين Tamoxifen أو رالوكسيفين Raloxifene، حيث إنَّ هذين الدواءَين يساعدان على خفض خطر الإصابة بالسرطان.
الجراحة الوقائية
تعني الجراحةُ الوقائية إزالةَ جميع النسج التي قد تصبح مسرطَنة (مثل الثديين أو المبيضين). ويمكن أن تأخذَ النساءُ اللواتي يحملن الجين BRCA بعين الاعتبار إزالةَ كامل الثديين بشكل وقائي.
تنخفض نسبةُ الإصابة بالسرطان لدى النساء اللواتي أجرين استئصالاً وقائياً للثدي إلى أقل من خمسة في المائة طوالَ حياتهنّ، وهي نسبةٌ أقل من النسبة الإجمالية للإصابة بسرطان الثدي في تعداد النساء العام. ولكن، من جهةٍ أخرى، فإنَّ جراحةَ استئصال الثديين هي جراحة كبرى، والتعافي النفسي منها ليس بالأمر السهل.
كما يمكن اللجوءُ إلى الجراحة للحدِّ من خطر الإصابة بسرطان المبيض. وتشير الإحصائياتُ إلى أنَّ النساءَ اللواتي أجرين استئصالاً وقائياً للمبيض قبلَ انقطاع الدورة الشهرية لا تنخفض لديهنّ احتمالاتُ الإصابة بسرطان المبيض وحسب، وإنما تنخفض لديهنّ أيضاً احتمالاتُ الإصابة بسرطان الثدي حتى خمسين في المائة، حتَّى ولو استعملن المعالجةَ الهرمونية المُمعيضة. ولكن من جهةٍ أخرى، فإنَّ استئصالَ المبيض سوف يحرم المرأة من الإنجاب (ما لم تكن قد طلبت الاحتفاظَ ببعض البويضات قبل الجراحة).
إن خطرَ الإصابة بسرطان المبيض لدى النساء اللواتي يحملن الجين BRCA المعيب لا يبدأ بالارتفاع بشكل ملحوظ قبلَ بلوغهن سن الأربعين. ولذلك، تُنصَح النساءُ اللواتي لم يبلغن الأربعين من العمر بالانتظار حتى ذلك الوقت لإجراء الجراحة عادةً.


إبلاغ الأهل والأقارب
لا يقوم المركزُ الطبِّي المسؤول عن إجراء الاختبارات بإبلاغ أي أحد من أهل الرجل أو المرأة عن نتائج اختباراته أو اختباراتها، ويبقى ذلك خيارَ الشخص نفسه بإبلاغهم أو عدم لا.
يمكن للمركز الطبي تزويد الشخص برسالة جاهزة يمكن له مشاركتها بين أقربائه، حيث تشرح نتائجَ الاختبار وتحتوي على كلِّ المعلومات الضرورية لفهم الحالة وانعكاساتها.
ولكن، من جهةٍ أخرى، فإنَّ الكثيرَ من الناس لا يرغبون بإجراء الاختبار الجيني. ويمكن للنساء المقرَّبات جداً من الشخص إجراء اختبارٍ للتحري عن السرطان دون الحاجة إلى إجراء اختبار جيني.


التخطيط الأسري
في حال كانت نتيجةُ الاختبار الجيني إيجابية، وكان الشخصُ (رجلاً كان أم امرأة) ينوي الإنجاب، فهناك عدَّة خيارات:
الإنجاب من دون اتخاذ أية احتياطات، وهو ما يجعل الأطفالَ عرضةً لحمل المورِّثة المعيبَة.
كفالة أحد الأيتام.
الاحتفاظ بالبيوض أو النطاف من الشخص نفسه.
إجراء فحص جنيني، حيث يمكن من خلاله معرفة ما إذا كان الجنينُ يحمل المورِّثة المعيبة (الطفرة) أم لا، ومن ثَمَّ اتخاذ قرار بإكمال الحمل أو إنهائه، وذلك حسب رأي الطبيب بما لا يخالف الشرع.
إجراء تشخيص جيني قبل الزرع، وهي تقنيةٌ من تقنيات التَّخصيب الصناعي لاختيار الجنين الذي لا يحمل المورِّثة المعيبة (الطفرة). ولكن، ليس من الضروري أن ينجحَ التخصيب دائماً بهذه الطريقة.


معلومات حول الجين BRCA1 والجين BRCA2
إذا كشفت الاختباراتُ عن وجود جين معيب من نوع BRCA لدى المرأة، فإنَّ ذلك يعني زيادةً كبيرة في خطر إصابتها بسرطان الثدي (بنسبة 60-90%) وسرطان المبيض (بنسبة 40-60%).
يوجد هذا الجينُ المعيب لدى ما نسبته واحد في الألف تقريباً من تعداد السكان العام، إلاَّ أنَّ الإحصائيات العِرقِية تشير إلى أنَّه أكثر انتشاراً عند اليهود الأشكيناز (بنسبة اثنين إلى ثلاثة في المائة).


 

0 التعليقات:

إرسال تعليق